عبد الله بن أحمد النسفي

294

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 180 ] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 180 ) المؤمنين الخلّص والمنافقين لتأكيد النفي حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ حتى يعزل المنافق عن المخلص ، يميز حمزة وعلي ، والخطاب في أنتم للمصدقين من أهل الإخلاص والنفاق ، كأنّه قيل ما كان اللّه ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيّه وإخباره بأحوالكم وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وما كان اللّه ليؤتي أحدا منكم علم الغيوب فلا تتوهموا عند أخبار الرسول « 1 » بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنّه يطّلع على ما في القلوب اطلاع اللّه ويخبره عن كفرها وإيمانها وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ أي ولكنّ اللّه يرسل الرّسول فيوحي إليه ويخبره بأنّ في الغيب كذا ، وأنّ فلانا في قلبه النفاق ، وفلانا في قلبه الإخلاص ، فيعلم ذلك من جهة إخبار اللّه لا من جهة نفسه . والآية حجة على الباطنية « 2 » فإنّهم يدّعون ذلك العلم لإمامهم فإن لم يثبتوا النبوّة له صاروا مخالفين للنص حيث أثبتوا علم الغيب لغير الرّسل « 3 » وإن أثبتوا النبوّة له صاروا مخالفين لنص آخر وهو قوله وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ « 4 » فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ بصفة الإخلاص وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا النفاق فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ في الآخرة . 180 - ونزل في مانعي الزكاة وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ من قرأ بالتاء قدّر مضافا محذوفا ، أي ولا تحسبن بخل الباخلين ، وهو فصل ، وخيرا لهم مفعول ثان ، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعل يحسبنّ ضمير رسول اللّه ، أو ضمير أحد ، ومن جعل فاعله الذين يبخلون كان التقدير ولا يحسبنّ الذين يبخلون بخلهم هو خيرا لهم ، وهو فصل ، وخيرا لهم مفعول ثان بَلْ هُوَ أي البخل شَرٌّ لَهُمْ لأنّ أموالهم ستزول عنهم ويبقى عليهم وبال البخل سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ تفسير لقوله بل هو شر لهم ، أي سيجعل مالهم الذي منعوه عن الحقّ طوقا في أعناقهم كما جاء في الحديث : ( من منع زكاة ماله يصير حية ذكرا

--> ( 1 ) في ( ز ) الرسل . ( 2 ) الباطنية : هو أشهر ألقاب الإسماعيلية ، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا ، ولكل تنزيل تأويلا ، ولهم ألقاب كثيرة سوى هذه على لسان قوم قوم : فبالعراق يسمون : الباطنية ، والقرامطة ، والمزدكية . وبخراسان : التعليمية . والملحدة : ( الملل والنحل - الفصل السادس ص 82 ) . ( 3 ) في ( ز ) الرسول . ( 4 ) الأحزاب ، 33 / 40 .